الأغذية المعدلة وراثيا

تجري إحدى المجلات تحقيقًا صحفيًّا حول الهندسة الوراثية والأغذية المنتجة عن طريقها، بينما تعترض الكنيسة في أوربا على هذا النوع من الإنتاج باعتباره تدخلًا فيما خلق الله من أغذية طبيعية نباتية وحيوانية. وتطلب السائلة رأي الإسلام في هذه الأغذية؛ هل هي حلال أم لا؟ وهل التدخل أمر مقبول على اعتبار أنه سيوفر الغذاء للجميع كما يقولون؟ وهل الأطعمة التي تستخدم بها جينات مأخوذة من الخنزير يحرم تناولها تماما؟ وما هي المحاذير الشرعية لهذا النوع من الغذاء؟ 

الهندسة الوراثية وغيرها من نتاج العقل البشري واجتهادات العلماء والباحثين يدخل في دائرة العلم المباح الذي طلبه الإسلام وجعل تعلمه وتعليمه فرضًا من فرائضه، وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن العلماء ورثة الأنبياء؛ فكل ما يكتشف ويظهر من نتائج البحث العلمي ما دام لا يصادم نصًّا من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدخل في دائرة ما حرم الله ورسوله فلا مانع منه شرعًا، ولا يعد تدخلًا في خلق الله؛ لأن الله خالق الأشياء كلها قديمها وحديثها، وهو الذي وفق العلماء إلى البحث عن الهندسة الوراثية.
أما الجينات المأخوذة من الخنزير والتي توضع في الأطعمة والأغذية وغيرها فإن هذه الأطعمة والأغذية تكون محرمةً شرعًا ولا يصح تناولها؛ لأن الخنزير وكل شيء فيه محرم لعينه.
وليس هناك محاذير شرعية من استعمال الأغذية المنتجة من الهندسة الوراثية إلا إذا كانت من ضمن المحرمات التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، أو كان في تكوينها شيء محرم، أو كان منهجها يقوم على تغير الصفات الوراثية للنبات والحيوان الذي عليه يقوم غذاء الإنسان تغيرًا يؤدي إلى تضييع معالم أصول كل منهما، ويخل بالتوازن البيئي. 

التفاصيل ....

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۞ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 53-54]، في هاتين الآيتين يبين الله تعالى العلامات الدالة على وحدانيته وقدرته في أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والنبات والأشجار وفي النفس من لطيف الصنعة وبديع الحكمة مما يدل على عظمة الصانع وقدرته وعطائه الدائم المستمر المتجدد الذي لا ينتهي.
ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فمن لطف الله بالإنسان أنه قبل أن يستقدمه إلى هذا الوجود ويستدعيه إليه ويجعله خليفته فيه أوجد له كل مقومات حياته مما لا غنى له عنه، وأعلمه بالأشياء كلها وبأسمائها قبل أن يهبطه إلى الأرض؛ يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.. إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: 31-33]، وجهزه بما يستطيع أن يدرك به حقائق الأشياء ويميز به بين خيرها وشرها وهو العقل الذي فضله به على سائر خلقه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، ثم أمره أن يسعى ويجد في الأرض ويبحث فيها لِيُحَصِّلَ رزقه ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، وطلب منه أن ينظر في الكون الفسيح المحيط به ويتأمله ليصل بعقله إلى وحدانيته وجميل صنعه ويستخرج من الأرض والبحار والأنهار وغيرها كنوزها المستقرة في أعماقها الدالة على عظمة الصانع وقدرته، وكل ما يظهر للإنسان مما كان خافيًا عنه على مر الأيام والعصور إنما هو دليل على وجود الله وقدرته، وإن ذلك من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، وصدق الله إذ يقول ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: 53]، ومن هنا كان البحث والسعي من أوجب واجبات الإنسان، وكان تكريم الله للعلم والعلماء بلا حدود، وجعل الله العلماء أهل خشيته وشهداءه على وحدانيته ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، وبيَّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن العلماء ورثة الأنبياء فيقول: «الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» رواه البخاري، ويقول: «لَمجلس علمٍ أفضل عند الله من عبادة تسعين عامًا»، مما يدل على شرف العلم والعلماء ووجوب توقيرهم واحترامهم.
ومن هذا المنطلق بدأت دول العالم كله تتجه إلى البحث والنظر في أرجاء الكون للكشف عن أسراره وكنوزه على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وأساليبهم في البحث والتنقيب، فمنهم من اتجه إلى الآفاق حتى وصل إلى الكواكب والنجوم يريد معرفة ما أودعه الله فيها من أسرار، ومنهم من بحث في البحار والأنهار وغاص في أعماقها لاستخراج لآلئها ومرجانها ويفك شفرتها ورموزها، ومنهم من أخذ ينكث في الأرض تحت قدميه لتكون له الغلبة عليها، والكل ينطوي تحت لوائه ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101]، وكلما تقدم الزمان تقدم العلم وازدهر وتقدمت وسائله وكشف لنا أسرارًا كانت في طي الكتمان، وفوجئ العالم في هذا العصر بما لم يكن معروفًا من قبل كالطائرات والقطارات والتليفزيون والكمبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة التي جدت واستحدثت في هذه الأيام، ثم الهندسة الوراثية والاستنساخ والجينات وغير ذلك من نتاج العقل البشري واجتهادات العلماء والباحثين، وكلها تدور في فلك قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53]، ولسوف يأتي زمان يسمع فيه الناس ما لا يصدقونه ويعد دليلًا على تجدد الفكر والبحث المخلوقين بالقدرة الإلهية، ومن المعلوم أن الدين لا يصادم العلم ولا يعارض الحقائق العلمية ولا يضيق على العقل ولا يحجر عليه، بل إن الدين جاء يخاطب العقل ويحترمه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] أي: أصحاب العقول، ويطلب منه أن يبحث ويستنبط ويكشف ويستخرج ما في الكون من حقائق وعجائب وأسرار.
وفي واقعة السؤال: فإن كل ما يكتشف ويظهر من نتائج البحث العلمي ما دام لا يصادم نصًّا من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدخل في دائرة ما حرم الله ورسوله فلا مانع منه شرعًا؛ أخذًا من قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]، ولا يعد تدخلًا في خلق الله؛ لأن الله خالق الأشياء كلها قديمها وحديثها، وهو الذي وفق العلماء إلى البحث عن الهندسة الوراثية وكشف لهم قدرته الخارقة.
أما بالنسبة للجينات المأخوذة من الخنزير والتي توضع في الأطعمة والأغذية وغيرها: فإن هذه الأطعمة والأغذية تكون محرمةً شرعًا ولا يصح تناولها؛ لأن الخنزير وكل شيء فيه محرم لعينه، فإذا كان لحم الخنزير حرامًا فكل جزء منه حرام من باب أولى، وليس هناك محاذير شرعية من استعمال الأغذية المنتجة من الهندسة الوراثية إلا إذا كانت من ضمن المحرمات التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، أو كان في تكوينها شيء محرم، أو كان منهجها يقوم على تغير الصفات الوراثية للنبات والحيوان الذي عليه يقوم غذاء الإنسان تغيرًا يؤدي إلى تضييع معالم أصول كل منهما، ويخل بالتوازن البيئي بين الإنسان والحيوان والنبات والمادة في هذه الحياة بما يؤدي إلى إفساد هذه الحياة، وإفساد الكائنات الحية التي تعيش فيها حسب المنهج الذي خلقه الله بحكمة وإبداع في مجال الصنع والتكوين لصالح الإنسان في كل مراحل حياته البشرية لتحقيق استخلاف الأرض للإنسان -بني آدم- من جميع الأجناس والألوان مع اختلاف العقائد واللسان؛ لأن كل ما في السماوات والأرض وما بينهما مسخر لخدمة الإنسان ومصلحته، فما يحقق هذه الغاية المشروعة فهو مشروع، وهذا كله يدخل في دائرة العلم المباح الذي طلبه الإسلام وجعل تعلمه وتعليمه فرضًا من فرائضه، وهو في النهاية من علم الله وهو قليل من كثير لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، وعلى علماء المسلمين في كل مكان المتخصصين في مثل هذا النوع من العلوم أن يَجِدُّوا ويبحثوا ويبينوا للناس ما إذا كانت الهندسة الوراثية وما ينتج عنها من مواد وأطعمة وأغذية ينطبق عليها قانون التحريم الإلهي من عدمه، وكل ما فيه نفع ومصلحة فهو مباح، وكل ما فيه ضرر فهو محرم؛ لأنهم -أي: أهل الذكر في هذا المجال- هم المسؤولون عنه، والذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

الأغذية المعدلة وراثيا

تجري إحدى المجلات تحقيقًا صحفيًّا حول الهندسة الوراثية والأغذية المنتجة عن طريقها، بينما تعترض الكنيسة في أوربا على هذا النوع من الإنتاج باعتباره تدخلًا فيما خلق الله من أغذية طبيعية نباتية وحيوانية. وتطلب السائلة رأي الإسلام في هذه الأغذية؛ هل هي حلال أم لا؟ وهل التدخل أمر مقبول على اعتبار أنه سيوفر الغذاء للجميع كما يقولون؟ وهل الأطعمة التي تستخدم بها جينات مأخوذة من الخنزير يحرم تناولها تماما؟ وما هي المحاذير الشرعية لهذا النوع من الغذاء؟ 

الهندسة الوراثية وغيرها من نتاج العقل البشري واجتهادات العلماء والباحثين يدخل في دائرة العلم المباح الذي طلبه الإسلام وجعل تعلمه وتعليمه فرضًا من فرائضه، وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن العلماء ورثة الأنبياء؛ فكل ما يكتشف ويظهر من نتائج البحث العلمي ما دام لا يصادم نصًّا من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدخل في دائرة ما حرم الله ورسوله فلا مانع منه شرعًا، ولا يعد تدخلًا في خلق الله؛ لأن الله خالق الأشياء كلها قديمها وحديثها، وهو الذي وفق العلماء إلى البحث عن الهندسة الوراثية.
أما الجينات المأخوذة من الخنزير والتي توضع في الأطعمة والأغذية وغيرها فإن هذه الأطعمة والأغذية تكون محرمةً شرعًا ولا يصح تناولها؛ لأن الخنزير وكل شيء فيه محرم لعينه.
وليس هناك محاذير شرعية من استعمال الأغذية المنتجة من الهندسة الوراثية إلا إذا كانت من ضمن المحرمات التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، أو كان في تكوينها شيء محرم، أو كان منهجها يقوم على تغير الصفات الوراثية للنبات والحيوان الذي عليه يقوم غذاء الإنسان تغيرًا يؤدي إلى تضييع معالم أصول كل منهما، ويخل بالتوازن البيئي. 

التفاصيل ....

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۞ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 53-54]، في هاتين الآيتين يبين الله تعالى العلامات الدالة على وحدانيته وقدرته في أقطار السماوات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والنبات والأشجار وفي النفس من لطيف الصنعة وبديع الحكمة مما يدل على عظمة الصانع وقدرته وعطائه الدائم المستمر المتجدد الذي لا ينتهي.
ففي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فمن لطف الله بالإنسان أنه قبل أن يستقدمه إلى هذا الوجود ويستدعيه إليه ويجعله خليفته فيه أوجد له كل مقومات حياته مما لا غنى له عنه، وأعلمه بالأشياء كلها وبأسمائها قبل أن يهبطه إلى الأرض؛ يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.. إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: 31-33]، وجهزه بما يستطيع أن يدرك به حقائق الأشياء ويميز به بين خيرها وشرها وهو العقل الذي فضله به على سائر خلقه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، ثم أمره أن يسعى ويجد في الأرض ويبحث فيها لِيُحَصِّلَ رزقه ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، وطلب منه أن ينظر في الكون الفسيح المحيط به ويتأمله ليصل بعقله إلى وحدانيته وجميل صنعه ويستخرج من الأرض والبحار والأنهار وغيرها كنوزها المستقرة في أعماقها الدالة على عظمة الصانع وقدرته، وكل ما يظهر للإنسان مما كان خافيًا عنه على مر الأيام والعصور إنما هو دليل على وجود الله وقدرته، وإن ذلك من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، وصدق الله إذ يقول ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: 53]، ومن هنا كان البحث والسعي من أوجب واجبات الإنسان، وكان تكريم الله للعلم والعلماء بلا حدود، وجعل الله العلماء أهل خشيته وشهداءه على وحدانيته ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، وبيَّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن العلماء ورثة الأنبياء فيقول: «الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ» رواه البخاري، ويقول: «لَمجلس علمٍ أفضل عند الله من عبادة تسعين عامًا»، مما يدل على شرف العلم والعلماء ووجوب توقيرهم واحترامهم.
ومن هذا المنطلق بدأت دول العالم كله تتجه إلى البحث والنظر في أرجاء الكون للكشف عن أسراره وكنوزه على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم وأساليبهم في البحث والتنقيب، فمنهم من اتجه إلى الآفاق حتى وصل إلى الكواكب والنجوم يريد معرفة ما أودعه الله فيها من أسرار، ومنهم من بحث في البحار والأنهار وغاص في أعماقها لاستخراج لآلئها ومرجانها ويفك شفرتها ورموزها، ومنهم من أخذ ينكث في الأرض تحت قدميه لتكون له الغلبة عليها، والكل ينطوي تحت لوائه ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101]، وكلما تقدم الزمان تقدم العلم وازدهر وتقدمت وسائله وكشف لنا أسرارًا كانت في طي الكتمان، وفوجئ العالم في هذا العصر بما لم يكن معروفًا من قبل كالطائرات والقطارات والتليفزيون والكمبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة التي جدت واستحدثت في هذه الأيام، ثم الهندسة الوراثية والاستنساخ والجينات وغير ذلك من نتاج العقل البشري واجتهادات العلماء والباحثين، وكلها تدور في فلك قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53]، ولسوف يأتي زمان يسمع فيه الناس ما لا يصدقونه ويعد دليلًا على تجدد الفكر والبحث المخلوقين بالقدرة الإلهية، ومن المعلوم أن الدين لا يصادم العلم ولا يعارض الحقائق العلمية ولا يضيق على العقل ولا يحجر عليه، بل إن الدين جاء يخاطب العقل ويحترمه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] أي: أصحاب العقول، ويطلب منه أن يبحث ويستنبط ويكشف ويستخرج ما في الكون من حقائق وعجائب وأسرار.
وفي واقعة السؤال: فإن كل ما يكتشف ويظهر من نتائج البحث العلمي ما دام لا يصادم نصًّا من كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدخل في دائرة ما حرم الله ورسوله فلا مانع منه شرعًا؛ أخذًا من قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]، ولا يعد تدخلًا في خلق الله؛ لأن الله خالق الأشياء كلها قديمها وحديثها، وهو الذي وفق العلماء إلى البحث عن الهندسة الوراثية وكشف لهم قدرته الخارقة.
أما بالنسبة للجينات المأخوذة من الخنزير والتي توضع في الأطعمة والأغذية وغيرها: فإن هذه الأطعمة والأغذية تكون محرمةً شرعًا ولا يصح تناولها؛ لأن الخنزير وكل شيء فيه محرم لعينه، فإذا كان لحم الخنزير حرامًا فكل جزء منه حرام من باب أولى، وليس هناك محاذير شرعية من استعمال الأغذية المنتجة من الهندسة الوراثية إلا إذا كانت من ضمن المحرمات التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، أو كان في تكوينها شيء محرم، أو كان منهجها يقوم على تغير الصفات الوراثية للنبات والحيوان الذي عليه يقوم غذاء الإنسان تغيرًا يؤدي إلى تضييع معالم أصول كل منهما، ويخل بالتوازن البيئي بين الإنسان والحيوان والنبات والمادة في هذه الحياة بما يؤدي إلى إفساد هذه الحياة، وإفساد الكائنات الحية التي تعيش فيها حسب المنهج الذي خلقه الله بحكمة وإبداع في مجال الصنع والتكوين لصالح الإنسان في كل مراحل حياته البشرية لتحقيق استخلاف الأرض للإنسان -بني آدم- من جميع الأجناس والألوان مع اختلاف العقائد واللسان؛ لأن كل ما في السماوات والأرض وما بينهما مسخر لخدمة الإنسان ومصلحته، فما يحقق هذه الغاية المشروعة فهو مشروع، وهذا كله يدخل في دائرة العلم المباح الذي طلبه الإسلام وجعل تعلمه وتعليمه فرضًا من فرائضه، وهو في النهاية من علم الله وهو قليل من كثير لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، وعلى علماء المسلمين في كل مكان المتخصصين في مثل هذا النوع من العلوم أن يَجِدُّوا ويبحثوا ويبينوا للناس ما إذا كانت الهندسة الوراثية وما ينتج عنها من مواد وأطعمة وأغذية ينطبق عليها قانون التحريم الإلهي من عدمه، وكل ما فيه نفع ومصلحة فهو مباح، وكل ما فيه ضرر فهو محرم؛ لأنهم -أي: أهل الذكر في هذا المجال- هم المسؤولون عنه، والذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال.
والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اقرأ أيضا

مواقيت الصلاة

الفـجــر
الشروق
الظهر
العصر
المغرب
العشاء
;